الحياة الزوجية
أستاذة وصال أنا صاحبة الاستشارة، وأتمنى أن تقرئي ما سأكتب كاملا، فهذا السؤال بالذات يؤرقني، خصوصا وأن هناك الكثير من الضغوطات المجتمعية وبالأخص من أصحاب الخطاب الديني. أنا شخصيا اهتمامي حاليا منصب على تطوير ذاتي في مختلف الجوانب ولم أكن أفكر في الزواج إطلاقا، لأنه لدي قناعة تامة أن الإنسان كلما طور نفسه وزادت مهاراته وعلمه وفكره تحسنت جميع جوانب حياته. وبالنسبة لي، كل تجربة نخوضها وكل شخص نلتقي به وكل مهارة نتعلمها سيكون لها حتما انعكاس وأثر على جوانب أخرى في حياتنا وهذا عن تجربة. الجامعة مثلا رغم أنها مرحلة ينصب التركيز فيها عادة على التحصيل الأكاديمي، إلا أنها مرحلة بنيت فيها نفسي، السفر والاحتكاك بالناس من مختلف مناطق الوطن وسع فكري ومداركي، تخلصت من الخجل، صرت اجتماعية أكثر، المبيت في الإقامة الجامعية بعيدا عن أهلي علمني الاعتماد على النفس، تقسيم الوقت، إدارة المصاريف، التعامل مع جيراني ووضع الحدود لوحدي، عرفت نقاط ضعفي التي لم أعرفها حين كنت في منطقة راحتي. والأمر نفسه حين بدأت العمل مؤقتا واحتكيت بالناس في الحياة الواقعية، عرفت الحياة الحقيقية، طبائع الناس أكثر، تثقفت أكثر، عرفت حدود طاقتي، اكتشفت نقاط ضعفي من بعض المواقف في العمل، كيف أنني لم أعرف كيف أرد هنا، أو كيف أتعامل هناك... الخ. وحاولت الاشتغال عليها وعدم تكرار أخطائي. ما أتعلمه في كل مرة في أي تجربة أخوضها يغيرني، يجعلني شخصا أفضل، يميط اللثام على نقاط ضعفي التي لم أكن أعلم بوجودها، وجعلني شخصا أكثر نضجا ووعيا، أكثر عقلانية في اتخاذ القرارات.. ولدي يقين بأن كل هذه المهارات ستفيدني إن تزوجت، حتى أني حمدت الله كثيرا أنني لم أتزوج قبل أن أكتسبها. لهذا تركيزي كان ولازال دائما تطوير الذات، دينيا علميا مهنيا فكريا، داخل وخارج البيت، لأنني أعي أن المؤمن أساسا مطالب بعلو الهمة.. في كل ما يقوم به، وأننا مطالبون بإتقان بعض المهارات لأنه من العيب ألا نتقنها سواء تزوجنا أو لا. ومع ذلك هناك جوانب أخرى سلبية في نفسي، تؤكد لي أنه رغم التقدم الذي أحرزته إلا أنني غير مستعدة للزواج. وهذه الجوانب السلبية أنا لا أشتغل عليها فقط من أجل الزواج، بل من أجل السلام النفسي، من أجل تطوير ذاتي، لأنني أؤمن أن الإنسان إذا حسن من نفسه، ستتحسن حياته، وأهمها صحته واستقراره النفسي. وقد اكتشفت بعضا منها بعد التخرج، ولم يكن لدي في السابق وقت كاف للعمل عليها، أو لنقل أيضا أنني لم أكن واعية بها. مثلا لدي فراغ عاطفي، عدم استقرار داخلي، شك كبير وتردد عال في اتخاذ القرارات، أعاني من نمط تعلق قلق نتيجة تجارب سلبية مررت بها في حياتي وخصوصا في الفترة الأخيرة، وكل هذه الصفات إن لم أعالجها فإن الزواج سيزيد من حدتها، فالفراغ العاطفي على سبيل المثال سيتحول غالبا إلى تعلق شديد بالزوج، خوف من فقدانه، اعتماد كلي عليه في ملء الفراغ، وهذا أمر أعاني منه في حياتي، أي تأخر في الرد على رسائلي فقط يدخلني في نوبة قلق وضغط، خصوصا إن كان من شخص عزيز علي، وهذا الضغط يجعلني عصبية حتى في البيت، وهذا مثال صغير فقط على المشاكل التي أعاني منها والتي تؤثر على حياتي وأنا عزباء، والتعافي منها فقط يأخذ مني الكثير من الوقت، وما ذكرته ما هو إلا نقطة في بحر، وكل هذه السلبيات تجعل الزواج مخاطرة أكثر من كونه راحة لي، فالزواج يحتاج حد أدنى من الثبات الداخلي، واستقرارا نفسيا ووعيا بما أريده في هذه الحياة.. خصوصا عند تربية الأولاد. وأنا الآن في محاولة بناء نفسي والعمل على كل هذا في نفس الوقت، ولهذا أرفض الزواج ولا يمكنني الاستعداد له وسط كل هذه الضغوطات، وهذه الجوانب ليست الأمر الوحيد الذي أشتغل عليه، فتحديات ما بعد التخرج مستمرة، فأنا أستمر في التعلم وإفادة غيري في الوقت نفسه بعلمي وهو أكثر مكان أجد فيه راحتي وأجد نفسي أكثر قدرة على الإفادة والإبداع فيه، إضافة إلى بناء نفسي ماديا ودعم عائلتي الخ.... وكما سبق وقلت فأنا أؤمن أن تطويري لهذه الجوانب في حياتي حتى لو لم تكن بنية الاستعداد للزواج فإنها ستؤهلني له لأنها تبنيني من الداخل، وهذا هو المطلوب من الإنسان قبل الزواج.. أن يبني نفسه قبل بناء بيته. ومع ذلك المجتمع يضغط علينا، ويطلب منا ترك كل ما نعمل لأجله سواء كانت طموحات دراسية أو مهنية رغم ما نمتلكه من علم وقدرة على الإفادة والإبداع في هذا المجال، والتسريع بالتأهيل للزواج، والقراءة عن نفسية الرجل والتفقه في العلاقات والتعامل والتربية ووو.. وأن هذه هي الفطرة ويجب أن يكون الاستعداد له أولوية لنا، حتى وإن كانت لدينا ميولات أخرى وأشغال تأخذ من وقتنا الكثير، وهذا يزيد الضغط علينا، فالأربعة والعشرون ساعة لم تعد كافية، وهذا ما دفعني لطرح هذه الاستشارة.
استشارتك أيتها الفاضلة كانت مباركة، إذ فتحت الباب لنقاش الكثير من النقاط التي تعتبر حاسمة في تعديل المفاهيم وتصحيح المغالطات. وأسئلتك الدقيقة المفصلة، إن كانت تنم على شيء، فإنما تنم عن وعي ونضج وسعي للمراجعة وحب للتطوير. لذلك فأنا على يقين أنك ستضعين الأمور في نصابها، وستستطيعين بحول الله إدراك ما الذي عليك فعله بالضبط، تماما كما يبدو من كلامك أنك تعلمين من أنت، وما الذي تريدينه، وما الذي يشكل حيرتك وتوترك.
ولعلي أبدأ من حيث أنهيت أنت، من فكرة أن الزواج مشروع يحتاج، كي يكون ناجحا أو مستقرا، أن تسبقه حالة من الاكتمال النفسي ومن النضج الكامل. وهذه فكرة منتشرة كثيرا بين الشباب، قد يكون سببها إطلاق الكلام على عواهنه ممن يطالبون بالاستعداد قبل الزواج، أو من المتلقي الذي يقتنع بأساس الفكرة لكنه قد لا يحسن إسقاطها واقعيا، لذلك تحتاج تصحيحا دقيقا.
لا أخفيك أن بعض ما ذكرته من تحديات نفسية وعاطفية يستحق فعلا الاهتمام والعمل عليه، ولا يمكن بحال اعتباره مجرد أوهام أو مبالغات. فالإنسان أدرى بنفسه وبما يعتمل فيها من مخاوف ونقاط ضعف، ومن الحكمة أن يتعامل معها بجدية ومسؤولية، من غير إنكار ولا تهويل، لكنه مهما فعل، لن يستطيع الوصول إلى الجاهزية الكاملة لأي مسؤولية كبرى في الحياة؛ لا للزواج، ولا للأمومة، ولا حتى للعمل والوظيفة، إذ ينضج داخل التجربة نفسها ومعها. دورات التأهيل للزواج، على سبيل المثال، أستهلها عادة بلقاء ترحيبي أوضح فيه، من بين ما أوضح، أن هذه الدورات تدخل في باب الأخذ بالأسباب وتطوير المهارات التي يحتاجها نجاح أي مشروع، وأن المشاركة فيها تساعد على امتلاك المفاتيح والآليات التي ستمكن أصحابها لاحقا من إدارة العلاقة بوعي، لكنها ليست ضامنا مطلقا لذلك.
أعود فأقول لا يمكن اعتبار الزواج اختبارا للجاهزية المطلقة. هو بناء مشترك لنضج غير مكتمل أصلا، ولذلك كان فيه الاختلاف والصبر وإعادة تشكيل النفس والتعلم من المواقف اليومية، وهذا ما يصنع جماله ويحفظ من الملل.
الفراغ العاطفي، والقلق، والتعلق، والخوف من الفقد ليست دلالة بالضرورة على أن الشاب أو الفتاة غير صالحين للزواج، وإنما قد تعني أن الإنسان واع بنقاط تحتاج إلى نضج عاطفي، وهذا بحد ذاته بداية العلاج. وهنا يجب الانتباه مرة أخرى إلى خلط شائع بخصوص هذا العلاج؛ هل هذه الحالات يجب أن تعالج قبل الزواج أم داخل الحياة وبواسطتها؟ ولعل الجواب لن يكون واحدا في جميع الأحوال؛ فبعض الجوانب قد تحتاج بالفعل إلى معالجة واعية قبل الإقدام على الزواج، خاصة إذا كانت تؤثر بصورة كبيرة على الاستقرار النفسي أو القدرة على اتخاذ القرار، وبعضها الآخر لا يختبر ولا ينضج إلا داخل العلاقات الإنسانية ومسؤوليات الحياة. ولذلك فالحكمة ليست في تأجيل الحياة حتى يزول كل نقص، ولا في تجاهل مواطن الخلل، وإنما في تقدير كل حالة بقدرها.
باختصار؛ لا ينبغي أن يتحول تطوير الذات إلى مبرر دائم لتأجيل التفكير في الزواج أو استبعاده من الأفق، كما لا ينبغي أن يتحول الزواج إلى سبب لإهمال بناء النفس والتوقف عن النمو والتعلم.
صحيح أن تطوير الذات مهم، لكنه لا يقوم مقام مسؤولية الزواج، كما أن الزواج لا يقوم مقام النمو الشخصي. فهما مساران مختلفان؛ أحدهما يبني الإنسان داخليا، والآخر يبنيه داخل العلاقة والمسؤولية المشتركة. ولعل خلط المسارين هو ما يجعل الإنسان يشعر أنه يجب أن ينتهي من نفسه أولا قبل أن يبدأ حياته، ويغفل أن الحياة أصلا لا تعمل بهذه الطريقة، وأن قوانينها تفرض التعددية في التجارب، وأن الوصول إلى الاستقرار النفسي الكامل لا يصل إليه أغلب الناس، لا قبل الزواج ولا بعده.
يزيد في الطين بلة ضغط المجتمع وقوانينه التي لا تراعي أحيانا كثيرة الخصوصيات. لكن لنكن واقعيين وأكثر إنصافا؛ بين براثين أخطائه وتعميماته نصائح لا يمكن إغفالها، فالتجربة تصدقها أو تكذبها، ومن بينها أن الحياة لا تنتظر أحدا، وأن الفرص تحتاج من يصطادها، وأن التسويف والانشغال والتبرير قد يضيع فرصة في عيش الحياة بعجرها وبجرها، وبآلامها وآمالها، وبحلوها ومرها الذي يصنع حلاوتها وجمال مفارقاتها، فتكتمل بعض جوانبنا ونحن نخوض تجاربها ونتحمل مسؤولياتها. غير أن الخطأ أن يتحول هذا الصواب إلى قاعدة عامة تفرض على جميع النساء دون مراعاة لاختلاف ظروفهن واستعداداتهن ومراحل حياتهن. لا يمكن للفتيات كلهن أن يكن في المرحلة نفسها، ويسرن بالوتيرة نفسها، ويخترن الاختيارات عينها، أو يواجهن التحديات ذاتها.
المطلوب ألا تؤجلي حياتك حتى تصلي إلى كمال مستحيل، وفي نفس الوقت ألا تدخلي تجربة لا تملكين أدواتها.. أن تواصلي بناء نفسك، وأن تعمري مرحلتك الحالية بما يرضي الله من علم وعمل ونفع للناس، وأن تستعدي لما ترجينه من أقدار الله، وأن تتركي باب الزواج مفتوحا دون خوف مبالغ فيه ولا ضغط موتر.